محمد بن الطيب الباقلاني

277

إعجاز القرآن

وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان ودلالة التأليف ، مما لا ينحصر حسنا وبهجة وسناء ورفعة . وإذا علا الكلام في نفسه ، كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ، ما يذهل ويبهج ، ويقلق ويؤنس ، ويطمع ويؤيس ، ويضحك ويبكي ، ويحزن ويفرح ، ويسكن ويزعج ، ويشجي ويطرب ( 1 . ويهز الأعطاف ، ويستميل نحوه الاسماع 1 ) . ويورث الأريحية والعزة ، وقد يبعث على بذل المهج والأموال شجاعة وجودا ، ويرمى السامع من وراء رأيه مرمى ( 2 ) بعيدا . وله مسالك في النفوس لطيفة ، ومداخل إلى القلوب دقيقة . وبحسب ما يترتب في نظمه ، ويتنزل في موقعه ، ويجرى على سمت مطلعه ومقطعه - يكون عجيب تأثيراته ، وبديع مقتضياته . وكذلك على حسب مصادره ، يتصور وجوه موارده ، / وقد ( 3 ) ينبئ الكلام عن محل صاحبه ، ويدل على مكان متكلمه ، وينبه على عظيم شأن أهله ، وعلى علو محله . ألا ترى أن الشعر في الغزل إذا صدر عن محب ، كان أرق وأحسن ، وإذا صدر عن متعمل ( 4 ) ، وحصل من متصنع - نادى على نفسه بالمداجاة ، وأخبر عن خبيئة في المراءاة ( 5 ) ؟ ! وكذلك قد يصدر الشعر في وصف الحرب عن الشجاع ، فيعلم وجه صدوره ، ويدل على كنهه وحقيقته . وقد يصدر عن المتشبه ، ويخرج عن المتصنع ، فيعرف من حاله ما ظن أنه يخفيه ، ويظهر من أمره خلاف ما يبديه . وأنت تعرف ( 6 ) لقول المتنبي : فالخيل والليل والبيداء تعرفني * والحرب والضرب والقرطاس والقلم ( 7 )

--> ( 1 - 1 ) ما بين الرقمين ساقط من م ( 2 ) م : " وترمى السامع من ورائه مرمى " ( 3 ) م : " فقد " ( 4 ) س ، ك : " متغزل " ( 5 ) ا : " خبئه " م " جنسه في المرامات " ( 6 ) كذا في ا ، م ، ك : وفى س " تجد " . ( 7 ) ديوانه 2 / 262 وهي رواية الواحدي ، وفى ك : " والحرب والطعن " ا " والطعن والضرب " .